الاثنين، 22 مايو 2017

لماذا غادرت الجامعة؟




اخترت العمل بالجامعة كأستاذ، بشكل واعي، مباشرة بعد تخرجي من الجامعة، رغم ما كان متوفر من فرص عمل أخرى أحسن بكثير، في قطاعات عديدة بالنسبة لجيلي على الأقل، في ذلك الوقت. اختيار الجامعة كان لعدة أسباب، منها الحرية التي تتوفر للأستاذ الجامعي، وتنوع نشاطاته المهنية بين التدريس والبحث. زيادة بالطبع على الحرية التي يوفرها العمل الجامعي بالنسبة، لمن ابتلي بسوسة النقدية والاهتمام بقضايا الشأن العام ورفض القولبة الفكرية والمهنية مثلي. 
 كنت لسنوات قليلة مضت سعيدا بعملي كمدرس جامعي، رغم كل المنغصات التي بدأت تتراكم. فكان اسعد ايامي، يوم صدور كتاب لي او مقالة علمية او محاضرة ألقيها على طلبتي واخرج من القسم وانا حاسس انني قدمت درسا كنت راضي عنه.
 رضا اشعر به في عيون طلبتي وطالباتي وهم يستمعون الى ما أقدمه. لم اكتفي بالتدريس وحاولت ان أكون باحثا جديا، فالفت الكتب والمقالات وشاركت في الملتقيات وأجريت البحوث، سافرت والتقيت بزملاء وأصدقاء، من كل بقاع العالم، اعتز بصدقاتهم لحد اليوم.
 بالطبع لم اسكت عن الأوضاع السيئة التي بدأت في البروز داخل الجامعة منذ سنوات، فانتميت لنقابة الأساتذة، عندما حانت فرص العمل النقابي التعددي. نظمت الاحتجاجات والاضرابات وشاركت فيها، من اجل الدفاع عن الجامعة وقيمها العلمية والأخلاقية، كما تصورتها وعديد من الزميلات والزملاء الجيدين، الذين بدأ عددهم يقل، مع الوقت للأسف. تحت وطأة التوظيف الجماهيري الذي بدأت الجامعة تعيشه منذ سنوات.
 فماذا حصل حتى أطالب بتقاعدي واغادر الجامعة وأنا في سن لازلت فيها قادر على العطاء والعمل الفكري النوعي، بعد هذه التجربة الطويلة في التدريس والبحث. انا الذي انطلقت في التدريس من أكثر من ثلاثين سنة وعمري اقل في بعض الأحيان، من عمر طلبتي وطالباتي (25 سنة)؟
 ما حصل ويحصل في الجامعة الجزائرية هذه السنوات ودفعني الى المطالبة بمغادرتها، كما فعل ويفعل يوميا بعض الزملاء من الجيل الذي انتمي اليه وحتى جيل اصغر. يغادرون الجامعة وهم تحت وطأة الشعور بالفشل والعجز عن تغيير الأوضاع. ما يحصل في الجامعة كما عكسته الصحافة جزئيا ن لم يكن مفاجئا ولم يحصل هكذا كطفرة مباغتة. فقد ظهرت الكثير من مؤشراته منذ سنوات عديدة. مؤشرات ووقائع، لا يمكن العودة اليها كلها بالتفصيل هنا. لأنها معروفة، كما ان الحيز المخصص لهذه الورقة لا يسمح بسردها كلها. لهذا سأذهب الى نوع من الخلاصة في حديثي عن الأوضاع التي وصلتها الجامعة الجزائرية.
 اهم خلاصة توصلت لها ،بعد هذه التجربة الطويلة من التدريس والبحث، وهي خلاصة يشاركني فيها الكثير من الزملاء. المستمرين في العمل لحد الآن. ان الجامعة الجزائرية، لم تعد قابلة للإصلاح. فقد فات وقت إصلاحها وان أوضاعها ستزداد سوءا مع الوقت. فالاعتداء على الأساتذة والعنف داخل الحرم الجامعي على سبيل المثال، سيزداد ويتطور. لان شروطه الموضوعية والذاتية، متوفرة كلها في اغلبية المؤسسات ولو بدرجات متفاوتة. وان المستوى التعليمي للطلبة والأساتذة، سيتجه نحو الأسفل بشكل أوضح، قابل للقياس، بالعين المجردة. لدرجة اننا لن نكون في حاجة الى مقارنات دولية لقياسه. مختلف اشكال الفساد، ستتطور لتأخذ احجام صناعية. الى اخر الصورة المعروفة حاليا والتي يشعر بها جزء مهم من الأسرة الجامعية التي لا تعرف ماذا تفعله للخروج من هذا المأزق. اسرة جامعية تتلمس يوميا كل هذه الأوضاع، دون ان تكون قادرة على فعل جماعي منظم للقطيعة معه. تزداد حزنا كل يوم على ما آلت اليه أوضاعها في انتظار ان تغادر مثلي، كحل فردي ،بعد ان فشلت الحلول الجماعية .
 أوضاع الجامعة في الجزائر لم تعد قابلة للإصلاح، حتى اذا افترضنا فعلا، ان نية الإصلاح متوفرة لدى صاحب القرار. وهو ما ليس اكيد. لان ما يمكن استشرافه من موقف السلطات العمومية من الجامعة يؤكد العكس تماما، فنية الإصلاح الفعلي غير متوفرة. لعدة أسباب كما توحي به الكثير من المعطيات. 
 من بين هذه الأسباب ان التكلفة السياسية لإصلاح الجامعة الفعلي عالية جدا بالنسبة للنظام الحاكم الذي لا يملك أصلا نفسا اصلاحيا، لا في ميدان الجامعة ولا في ميادين أخرى. باختصار وحتى لا أطيل كثيرا، اصلاح المنظومة التعليمة والجامعة، جزء منها، يتطلب مواجهة المجتمع بالحقائق المعروفة والتحديات التي يفرضها. الاصلاح، يعني مواجهة مصالح كثيرة واشكال فساد مستشري، عند كل الفئات المهنية المرتبطة بالعمل التربوي بدرجات متفاوتة، يتطلب على سبيل المثال مواجهة الاتحادات الطلابية والمنظمات النقابية التي تحول جزء كبير منها الى منتج للفساد بأشكال صناعية كما قلت. يتطلب مواجهة جزء كبير من اسرة التدريس والطلبة والفئات المهنية المكلفة بالتسيير اليومي الى اخر القائمة المعروفة.

 اصلاح يتطلب تغيير النظرة الاجتماعية السائدة التي تنظر بها العائلة الجزائرية للجامعة وما هو مطلوب منها ماديا واجتماعيا ان تقوم بها للتفاعل الإيجابي معها. كما يتطلب صمود في مواجهة الضغوط الكثيرة التي سيواجهها كل من يريد فعلا ان يصلح. خاصة وان نتائج الإصلاح لن تظهر على المدى القصير ولا حتى المتوسط ربما. وهو عيب لا يقبل به نظام سياسي، في حاجة الى نتائج سياسية ملموسة، تحسب له على المدى القصير. الإصلاح الذي يتطلب توافقا اجتماعيا، غير متوفر حاليا، حول ما هو مطلوب من الجامعة ان تؤديه وطنيا في مجتمع تعيش فيه النخب السياسية والفكرية انقسامية كبيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الثقافية واللغوية المرتبطة بها. باختصار الإصلاح الفعلي يتطلب شروطا واستراتيجيات وعزم، غير متوفر حاليا، مما يعني ان بقاء الأوضاع على حالها هو الأكثر احتمالا، بل وقد تتجه نحو تدهور أكثر. 
 تماما كما حصل للمؤسسة الصناعية العمومية التي تُركت لتموت، بدل إصلاحها في الوقت المناسب. وبيعها بعد ذلك بالدينار الرمزي. سياسة أقل تكلفة من الناحية السياسية وأكبر ربحا لطبقتنا الحاكمة الجديدة. وهو ما يستشف من موقفهم من الجامعة، فأمام عجزهم عن الإصلاح بالتكلفة السياسية العالية التي يتطلبها التي يرفضون دفعها وتنظيم أنفسهم لكسب رهاناتها، كان اللجوء الى الأسهل.
 الأسهل هنا، هو تكليف الجامعات الأجنبية في الغرب، بتكوين نخبة الجزائر المستقبلية، بعد ان بينت التجربة، ان الجامعة الوطنية لم تعد قادرة على انتاج هذه النخبة التي يحتاجها أي نظام تسيير اقتصادي وسياسي. يتم هذا التحول الاستراتيجي في عملية انتاج النخبة، في ضل تحولات دولية ووطنية لا يتسع المجال هنا للخوض فيه. لعلى أهمها اننا سنكون في المستقبل امام اشكال سيطرة دولية جديدة، ستكون هذه النخبة التي يتم انتاجها لنا في الخارج، جزء منها في وقت يعرف المجتمع الجزائري تغييرات واسعة، كان من اتجاهاتها الثقيلة، تحول المال العام الى مال خاص، استفادت منه هذه الفئات التي تريد ان تحكمنا عن طريق أبنائها التي تحضرهم حاليا في جامعات الغرب ليحكمونا باسم شرعيات جديدة بعد ان حكمنا ابائهم بشرعيات لم تعد تتآكل ولم تعد صالحة الان . بكل ما سيفرزه ذلك من مواجهات اجتماعية في جزائر، ستزيد فيها الفروق الاجتماعية.
 وان جامعتنا ستتوارى، لتموت بهدوء. في انتظار الجامعة الخاصة، كما عرفته تجارب عربية ودولية أخرى، بروز جامعات خاصة وتنظيم تعليم موازي. سنترك الحكم عليه للمستقبل، رغم ان بعض المؤشرات المستمدة من تجارب عربية، تقول ان نجاحه ليس مضمونا وانه سيزيد في حدة الفروق الاجتماعية أكثر وان تسييره الناجح، لن يكون أسهل، من تجربة تسيير الجامعة العمومية التي تحتضر امام اعيننا.
 ناصر جابي .
تعليقات ديسكس

0 commentaires