الثلاثاء، 4 ديسمبر 2018

أصغر أطروحة دكتوراه

تتكون هذه اﻷطروحة من 26 صفحة ومرجعين ومؤلفها ابن 22 عاما ! نعم وبدون أي خطأ في الكتابة تتكون من 26 صفحة ومرجعين فقط وهي اﻷصغر في تاريخ أطروحات الدكتواره، بل أكثر من ذلك أحد المرجعين هو ورقة بحثية للطالب نفسه وعنوان هذه اﻷطروحة هو اﻷلعاب غير التعاونية، وصاحب هذه اﻷطروحة الصغيرة بحجمها والكبيرة بمحتواها هو عالم الرياضيات الشهير #جون #ناش الموضح في الصورة أدناه والملقب بنصف المجنون، الذي أنتج له في عام 2001 فيلم سينمائي شهير يحكي قصة حياته بعنوان "العقل الجميل".

جون فوربس ناش الابن
(بالإنجليزية: John Forbes Nash, Jr.)

جون ناش.. عاش شقياً متألقاً (1928- 2015م) لم يحدث في التاريخ أن تألّق رجل علمٍ إلى حدِّ أنه يكتب مقالةً من 330 كلمة تجعله يفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد بعد مضيّ قرابة نصف قرن على نشرها، ثم يتألّق مرةً أخرى فيُحرز جائزة آبل Abel -أرفع وسام في الرياضيات- بعد مرض عضال ألمّ به مدة 30 سنة، ويشاء قدر الرجل أن يلقى مصرعه في حادث سيارة مع زوجته بعد تسلّم هذه الجائزة بأربعة أيام.

لم يكتشف مُعلّموه مواهبه الخارقة مبكراً، بل كانوا يرونه متخلّفاً اجتماعياً. وعندما بلغ ناش سنّ الثانية عشرة أثبت أنه قادر على إجراء تجارب علمية مبهرة في البيت، أبرز ناش في البداية اهتماماً بالرياضيات والكيمياء عندما بلغ 14 عاماً من العمر، وأبرز مهارات كبيرة في الرياضيات، ولم يكن يفكّر آنذاك في التخصّص فيها، بل كان ينوي التخصّص في الهندسة الكهربائية سالكاً مسلك أبيه المهندس. ومن المعلوم أن ناش واصل تجاربه الشخصية في الكيمياء، والمؤلم أنه كان له ضلع في صناعة متفجرات أدّت إلى وفاة أحد زملائه من التلاميذ.

فاز ناش بمنحة دراسية عام 1945م، للحصول على شهادة في الهندسة الكيميائية، لكنه سرعان ما أظهر اهتماماً متزايداً بالرياضيات، فراح يدرس التحليل الرياضي والنسبية. وكان رئيس قسم الرياضيات قد لاحظ، ومعه أساتذة آخرون، مواهب ناش الخارقة في مجال الرياضيات، فأوصوه بالتخصّص في هذا العلم. وهكذا، مال ناش إلى الغوص في العلوم الرياضية، وشارك في مسابقاتها، وفاز فيها. وبقدر ما كان أساتذته يُثنون على مواهبه كان زملاؤه من الطلبة يُفرطون في الاستهزاء به، ولولا قامته وقوة جسده لكان الوضع أسوأ؛ لذلك زادت عزلته.

توازن ناش وجائزة نوبل:
المدهش حقاً أنه في عام 1949م، حين كان ناش يعدّ أطروحة الدكتوراه، كتب مقالاً لم يَنَلْ ما يستحقّه من الاهتمام، لكنه أحرز بفضله جائزة نوبل في الاقتصاد بعد مضيّ 46 سنة على تاريخ نشره؛ فقد وضع فيه أساس ما يُسمَّى (توازن ناش) في نظرية الألعاب. وهذا المفهوم نجده سارياً في شتى المجالات، سواء تعلّق الأمر بتحليل الإستراتيجيات الانتخابية، أم الأسباب المؤدية إلى الحروب، أم أعمال المجموعات الضاغطة، أم التنبؤات بالأحداث.

خيبة أمل وفصام:
قدّم ناش في العام 1959م محاضرةً عن (فرضية ريمانRiemann )، وهي مسألة استعصى حلّها إلى الآن، وأدرك المتتبّعون حينها أن المُحاضِر لم يكن يتمتّع بكلّ قواه العقلية، وتبيّن على إثرها أنه مصاب بالفصام الزوراني. وظلّ ناش كذلك نحو ثلاثين سنة، فتقطّعت به السبل، وخضع للعلاج المتواصل في المستشفيات، ومن سلوكياته الغريبة أنه غادر الولايات المتحدة الأمريكية طالباً اللجوء إلى سويسرا، مدّعياً أن جلاّديه -الوهميين- يلاحقونه.

تاه ناش في الأرض، حتى إن زوجته الثانية طلّقته عام 1963م، ومع ذلك ظلّت مهتمةً برعايته، حتى عادا وتزوّجا مجدّداً عام 2001م. وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي خرج ناش من نفقه المظلم، وعاد إلى الظهور في الأوساط الجامعية، وفاز عام 1994م -كما أسلفنا- بجائزة نوبل في الاقتصاد تقديراً لأعماله عن نظرية الألعاب، وأُخرج على إثر ذلك عام 2001م فلم عن حياته بعنوان: (العقل الجميل)، اعتمد السيناريو فيه على كتاب الصحفية سيلفيا نصار. وتقديراً لما قدّمه ناش في حقل المعادلات التفاضلية الجزئية منحته الأكاديمية النرويجية للعلوم والآداب يوم 19 مايو عام 2015م جائزة آبل الشهيرة المخصّصة لعلماء الرياضيات من دون غيرهم. والمحزن أنه عند عودة ناش إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الاحتفال بالجائزة النرويجية ركب هو وزوجته سيارة أجرة في ضواحي ولاية نيوجيرسي، وكانت الفاجعة حين فقد السائق السيطرة على سيارته، وارتطمت بحاجز على الطريق السريع أودى بحياة الزوجين. أولم يقُل المتنبي: ذو العلم يشقى في النعيم بعقله؟ ذلك كان حال جون ناش من المهد إلى اللحد.

تعليقات ديسكس

0 commentaires